الشيخ محمد رشيد رضا

181

الوحي المحمدي

ويكثر في القرآن ذكر الفقه وهو الفهم الدقيق للحقائق الذي يكون به العالم حكيما عاملا مثقفا ، فراجع منها في سورة الأنعام 25 ، 65 ، 68 ، وفي سورة الأعراف : 178 ، وفي سورة الأنفال : 65 ، وفي سورة التوبة : 82 ، 88 ، 321 . وحسبك ما في هذه السور الأربع تعريفا بالفقه وأنه هو الحكمة لا علم ظواهر الأحكام من الطهارة والبيع والإجازة إلخ ، فإن تسمية هذا بالفقه اصطلاحية لا قرآنية ، ومنه ما هو ضد فقه القرآن كالحيل التي تعلم الناس التقصي من حكمة القرآن . 4 - الإسلام دين الحجة والبرهان : قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [ النساء : 174 ] ، وقال : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [ المؤمنون : 117 ] ، قيد الوعيد على الشرك بكونه لا برهان لصاحبه يحتج به ، مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك تعظيما لشأن البرهان ، وذلك أنه تعالى يبعث الأمم مع رسلهم وورثتهم الذين يشهدون عليهم ، ويطالبهم بحضرتهم بالبرهان على ما خالفوهم فيه كما قال : وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ [ القصص : 75 ] . وأقام البرهان العقلي على بطلان الشرك بقوله بعد ذكر السماوات والأرض من سورة [ الأنبياء ، الآية : 22 ] : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ، ثم قفى عليه بمطالبة المشركين بالبرهان على ما اتخذوه من الآلهة من دونه مطالبة تعجيز فقال في [ الآية : 24 ] : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ، ومثله في سورة [ النمل ، الآية : 64 ] : أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وقال في سياق محاجة إبراهيم لقومه وإقامة البراهين العلمية لهم على بطلان شركهم : وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ الأنعام : 81 ] ، ثم قال في آخره : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ الأنعام : 83 ] ، فالدرجات هنا درجات الحجة والبرهان العقلىّ في العلم ، ولذلك قدم فيه ذكر الحكمة على العلم ، وتقدم في الكلام على العلم آية رفع الدرجات فيه .